404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة
  • العودة الى الصفحة الرئيسية
  • مقتطفات شعرية:

    والبدر يستر بالغيوم وينجلي === كتنفس الحسناء في مرءاتها
    وقف أمام فرسه، مثبتا عينيه بآخر نقطة، استطاع رصدها بتلك البيداء الخالية... استجمع قواه ليتلقى النبأ المفجع، برحابة صدر، وصبر محتسب... كان لتوه قد عاد من سفره الطويل... بعدما قضى جل أيامه في القنص والصيد، غافلا عن أحوال بيته وزوجه وذريته...كانت الشمس في تكاسل، ترسل أشعة قرمزية، توقظ الطيور من وكناتها... تصدح بفجر جديد قد غشا حلكة الليل، لم تكن إشراقة النجم الكبير قد أغبطته...امتطى سرج فرسه يلحق مناه حيثما خبّر، تمنى لو لم ينتهي الليل، ولو لم يقبل النهار...تسابق مع الزمن يطوي مسافات قاحلة، لا يخشع سمعه سوى لصوت الوحوش بها، وقف بعد حين يقلب الثرى بمقلتيه، وتقلبها مطيته بحدواتها...انتظر بزوغ الضحى لتنفجر السماء بالضياء... رغم أن الليلة كانت له قصيرة... ظل متصلبا لا تؤثر به ريح السموم وهيجان الصحراء الغاضبة...مكث غير قليل بشأنه، برز له ضباب متكدر يعلو الأفق، تكثف... صار غيمة تهز الرمل والحصى... وتتقدم نحوه تحت إيقاع الحوافر...خطى مهرولا نحو الجمع الغفير، يراقبهم بشغف، اقتربت منه الغيمة الصاخبة... وبرز له الفرسان في شجاعة، جثا على ركبته منصدما، في ما نزل له متقدمهم... ربت على كتفه مطمئنا... التفت نحو رفاقه على الخيول... انحازوا هم على الأطراف، توسم بتأمل نحو التابوت، بأقصى الوسط... عدل عمامته... استقام يرمل متعثرا، نحوه، يجر ذيل قميصه متكلفا، ارتمى عليه، افترق الجمع... تركوه، يتجرع غصة موت زوجه وحده..


    صدح صوت الصرصور بالمكان... أفصحت السماء عن النجوم المتلألئة... مال القمر؛ واتخذ لنفسه مساحة بكبد السماء؛ يراقب فيها ظلام الكون... ويرسل بريقه الخافت للعالم تحته... يصغي للصرير، ونحيب البشر، وصرخات تطلقها الطبيعة، تستنجد علها تغاث...بالنهر الرقراق، تمر الحيوانات، تسقي جوفها بماءه المنعش... وتتأمل لون القمر اللجيني به... تتعجب من كونه هناك...
    مر غزال ذهبي يلمع لونه بضوء القمر... سار بمحاذاة النهر، ألقى نظره على صفحته، لاح له القمر المتربع بين جمهور النجوم الضئيلة... تلألأت مقله السوداء بضوءه... انحنى لعظمته... ارتشف بعض الماء بمهل، متمعنا به، وبضوءه المنير، استقام، مال بقوائمه الأربعة، سكن لوهلة، يصغي لحركات، تتسرب من بين الأشجار... أوجس منها خيفة... تحرك بهدوء حول الأشجار... يستكشف المكان، بعد برهة، لاح له جسد ضخم بين تلك الشعب... لكنه لم يترجل إليه... بدا له الغزال كقطعة من تراب القمر الفضي... ظل واقفا خاضعا لجماله، يتعجب من مظهره... تراجع ذاك الجسد رويدا رويدا إلى الخلف... اختفى بين طيات الظلام... عادت الضفة هادئة... عاد الغزال بمحاذاة النهر... يراقب الأزهار جنبه... يتأمل جمالها تحت القمر...



    بهدوء قطع منتصف الطريق... وقف بالجهة الأخرى... رفع رأسه نحو السماء السوداء، التي تنعكس منها أضواء خافتة؛ تحترق بمهل... طأطأ رأسه منخذلا، لدقائق، رفعه مرة أخرى...
    كانت النجوم صامدة، بصفحة السماء الواسعة... حتى لم تكن هناك مساحة للقمر...!

    تصلب هو بمحاذاة الشارع، يراقب أقدامه المرتجفة تارة، والسماء تارة أخرى. ود لو أشرقت شمس الضحى المتكاسلة لتدفئه...

    كانت السيارات أمامه تتسارع... لم تلتفت له واحدة... لم يعره أحدهم أي اهتمام... لم يهتز لهم طرف واحد، ولم يلن منهم فؤاد واحد...

    ملابسه الرهوة، كفته شر الأنظار، ولم تقه أصعب الأقدار...
    وحيدا، ظل يرتجف... ينتظر من الأنظار أن تلتفت له... ومن الأقدار أن ترحمه...استدار موليا الشارع بظهره النحيل... كان يفترش لنفسه بعض الأوراق، يهجع عليها... اتجه نحوها يائسا من شروق الشمس، تمدد عليها، وجسده يكاد ينكمش إثر شدة البرد... رفع نظره للسماء... لم تعد النجوم موجودة... انتفض من مكانه... كانت الغيوم تلبد السماء، وتستعد لإرسال الودق الغزير... تحيي به الأرض... تسعد به بعض البشر... وتشقي بعضهم... تساقط الغيث ولم يتوقف... هو عاد متمددا على ورقه في انكماش... يبصر تساقط المطر في خضوع، حتى أخذته السنة... ولم يشهد إشراقة نهار بعدها....



    وقفت على لبنة الرصيف الأحمر، تراقب برك الماء التي خلفها المطر في شرود...
    مرت سيارة مسرعة؛ داست على الأرض المبتلة، طشت الماء بكل ناحية،  وبللت معها الصغيرة فوق الرصيف.
    لم يزعجها تصرفه...
    رمقت الشارع يمنة ويسرة، ترقب إن كانت هناك سيارة قادمة، ترجلت من على الرصيف نحو الشارع، داست بقدمها على الماء، لكنها سرعان ما عادت مكانها...
     كانت البركة عميقة، وهي خافت أن تمر من خلالها... كان صدى صوت والدتها المهدد يطن بأذنيها؛ تحذرها من التأخر... خشيت إن هي تأخرت؛ أن تمنعها من المدرسة، وتجعلها تكرس حياتها ببيع المناديل الورقية للناس بالشارع.

    مر بمحاذاتها الأطفال الأخر، من خلال البرك بسعادة، ولم يكترث أي منهم لعمق المياه.كانت ضحكاتهم تعلوافي صخب بالشارع الساكن، كلما داس أحدهم بقوة ورش الماء على وجوههم،وهي ظلت بمكانها، ولم ترمه. تأخذها الأفكار من كل جهة، وتتمخض بها تهديدات والدتها، ونظرات والدها المقعد الخائبة، وصرخات الناس بالشارع كلما طلبت من أحدهم شراء منديل...
    كيف إذا منعتها والدتها من المدرسة؟لن تحقق حلمها الصغير، ولن تصبح غنية تغدق على أمها المتسلطة، ووالدها المعاق، المال في وفرة.

    ستتبع الناس لأجل المناديل، في كل ساحة وطريق وزقاق، وتتوسل إليهم بعينيها الدامعتين، مقابل زمجرة أحدهم، وعدم اكتراث آخر، وأدعية يلقيها أخر بالهواء...كانت الجهة المقابلة، كملاذ من كل ما كان يجول بخاطرها، إن هي تشجعت واجتازت المياه نحوه...ظلت تحدق في الأطفال لفترة... تحركت نحوهم، وغمرتها المياه إلى ركبتيها، خرجت من الماء نحو الرصيف الآخر، وركبتاها تصطكان، وابتسامة تتلون على وجهها، فيما ينظر إليها الأطفال في حيرة.







    خرج يلفحه لهيب الشمس بناصيته اللامعة،سار يخطو الخطى داسا بقدميه فقره وغصته الأليمة، معليا الأمل بنظرته الثابتة، والجرائد ترقص بين ساعديه في زهو، يضمها لصدره كي لا يلحقها غبار، ولا يعتريها شر قد يودي بأجرته اليومية..كان الناس من حوله، يلتفتون حينا بعد حين له، يشخصون لوجهه الأسمر، الذي لحقه نور الأمل والصبا، يستغربون من بشاشة وجهه رغم تلك الأطمار التي لفها على جسده النحيل، ربما حسده البعض أو غبطوه لما هو فيه!كانت أطياف والديه تتردد على ذاكرته، كلما اجتاز الحديقة العامة، التي ألف اللهو بها هناك، مع والديه، فكأنه يرى نفسه الآن طفلا من أولئك الذين يلهون في حبور، وكأنما يتجسد له شبح والده المبتسم يتسابق معه، تاركين والدته تترصدهم على الكرسي الخشبي هناك..
    ضاع وسط تلك الذكريات، والبسمة البشوشة تترسم بوجهه، وتتوسع كلما تذكر.استفاق من تأملاته، رمى نظرة نحو الجرائد الملتوية وقد زاحت نحو صدره كأنها تؤنسه! ابتسم، وأكمل طريقه...

    وصل أمام المقهى الممتلئ بالحشود، فهذا هنا يرتشف شايا، وآخر يراقب السقف، وقد ازدحمت به الحشرات الطائرة، وهنا رجل يفك الأحاجي، ويقرن حاجبيه كلما استعصى عليه شيء منها، وهناك بالزوايا، شبان منشغلون بهواتفهم عن الكون بأسره.تنفس الصعداء، واستنشق ما وسع لصدره استنشاقه، تجلد، وحسن من وقفته، تقدم نحو رجل يتأمل الشوارع في سكون، كان يبيع له الجريدة كل صباح، وقف أمام طاولته، مد يده وبها جريدة متصلبة ملتوية، تبسم قائلا:

    - تفضل، جريدتك.

    لبث الرجل وهلة قبل أن يلتفت نحوه، هز يده المخدرة في حلقات:- لا شأن لي بها اليوم!أطبق الفتى الجريدة نحو الأخريات... تجول بالمقهى عل أحدهم يطلب منه جريدة، لكن لم ينتبه لوجوده أحد!خرج من المقهى على مضض، يستوعب خلفه يأسه بصعوبة، مشى بضع خطوات يجر بها قدميه ويأسه المصبر، جلس على عتبة الشارع، وركن الجرائد بجانبه، فيما يأسه ما يزال خلفه:

    - ما الذي تفعله؟

    جاءه صوت جهوري من مكان ما، وقبل أن يرفع رأسه، انسدل عليه ظل السائل.. نظر نحوه بعمق:

    - لم أبع جرائدي!

    ابتسم الرجل، ومرر إبهامه وسبابته على شعيرات شاربيه، حشر يده في معطفه، وأخرج ورقة نقدية:

    -ما رأيك أن أشتري منك كل هذا؟

    توسعت عينا الفتى من جراء المفاجأة، فيما استقام جسده ومد الجرائد بحركة سريعة،أفلت منها يأسه عن كاهله، تبادل معه بالمال، حشرها بجيبه، وأطلق العنان لرجليه...كان قد ابتعد لخطوات لولا أنه لم يتذكر عدم شكره للرجل، وقف، ثم استدار يبحث عنه بعينيه في فضول، وجده بين حشود المقهى يوزع الجرائد على أولئك ويتلقى الشكر والأدعية بسعادة.






    سحبت قدمي نحو المقهى في كسل، أستعرض نفثات من ضجة أحدثتها قبل دقائق...ولم أعد مدركا بتفاصيلها الصارخة... شزرت نحو الجميع... أتفرس الوجوه... وددت لو افترسها الوقت كما فعل بي...

     حملقت نحو النادل النحيل... أزعجتني سترته الحمراء... بدا لي ملونا وسط كومة من الحزن والغموض والسواد...
    أزحت عيني نحو شرذمة يمضون جل وقتهم بالقمار والتدخين ومراقبة الفتيات خارجا... سخرت من أصحاب الجرائد والجلسة المتصلبة...

    اتكأت على كرسي بالزاوية...حيث كانت شمس الشروق لا تستطيع تهنئتي بهذا الصباح المظلم...كان ذهني فارغا... وقلبي ساكنا؛يدق في سكون...
     أتنفس بعمق... أستنشق السجائر والعطور والعرق والأقدام... وأزفر متاعبي في يأس...

    - اللعنة، أو تلك الفتاة...

    رفعت بصري نحو النادل... ابتسامته تتعسني... تسريحة شعره تغيظني... ربطة عنقه تشنقني... ولونه الأحمر الفاقع يفقأ عيني...

    - ما طلبك؟

    لم أعره اهتماما... لباقته تستفز صبابة الصبر التي تسكن روعي...

    - اللعنة أو تلك الفتاة...

    تذكرت والدتي من جديد... تذكرت وجهها وملامحها التي عبث الوقت بها... تذكرت خرقة رأسها البيضاء الملطخة... تذكرت وجهها الأعمش الساخط...تذكرت الجملة الأخيرة التي التقطها رادار دماغي المنهك:

    - اللعنة أو تلك الفتاة!

    تلك الفتاة؟

     قلت وانسحبت خارجا... أغلقت الباب بقوة وقد ظل ضجيج متكدر يتسلل للشارع, حيث اجتمع بعض النسوة يتملقون النظر إلي وأنا أرحل بصمت... وشوشتهم مازلت أسمعها، وسط المقهى...

    انتفضت؛ لتسقط الطاولة الصغيرة أرضا... ولتعلق العيون بوجهي الساخط...هززت رأسي مغاضبا، أخاطب صاحب الجريدة:

    - اغرس عينيك هناك... لا داعي للنظر نحو هذه الزاوية أيها الممل!

    انكب هو على الجريدة يتحاشاني، ومقعدي وجهتي وصوتي المرتفع...

    - وأنتم أيها الحثالة! راقبوا الفتيات بصمت...

    سكنت الأصوات لوهلة؛ كنت أسمع صرخات قلبي الفوضوية تختنق من كل شيء...
    ارتميت على الكرسي يائسا، لعل جسدي يستعيد طاقته التائهة... أغمضت عيني متأملا... تذكرت الفتاة... تذكرت والدتي... تذكرت اللعنة...

     اهتز هاتفي بصمت، يعلن عن اتصال مصر... حشرت يدي على مضض، لأرى المتصل... هززت الهاتف بيد مخدرة...

    إنها الفتاة!

    كبست الزر متلهفا؛ ألصقت الهاتف بأذني، هتفت:

    - مريم!

     أتاني صوت مختنق:

     - أين أنت؟

    انتفضت من جديد...

    -أمي!

    تنهدت لوقت طويل... تحركت أنا نحو الباب قاصدا الخروج:

    - تعال الآن أينما كنت للبيت...

    أغلقت الخط، وأطلقت ساقاي للريح متوجها للبيت..لكن... لم علي قصد البيت؟ والهاتف كان لمريم؟!

    بعد لحظات متعبة، وقفت أمام البيت أستعيد قواي... وذكرياتي قبل قليل...تقدمت نحو الباب... درأته ببطء... رميت نظرة فضولية نحو الرواق، وإذ بجسد سمين يتربع بأبعد مكان به... فتحت الباب على اتساعه:

    -أمي!

     وقفت في فزع، وانتفض قلبي هو الآخر...سارت نحوي في ارتجاج... تجر خطاها المثقلة... تواري نظراتها المنخذلة... وقفت أمامي، أسمع تنهداتها تلكز فؤادي... تلاقت نظراتنا... هربت من عينيها نحو كل شيء... أبصرت عيناي مريما...استغربت...

    - ما الذي يحصل؟

    وثبت والدتي كأنما ترغب باختراقي...

    - أخبرتك... اللعنة أو..

    قاطعتها صارخا، مشيرا نحو مريم بإصبع متصلب...

    - أو هذه الفتاة!

    هزت رأسها كأنما تختنق... وضعته على صدري البارد.. تركتني أسمع شهقاتها بصمت، وأطعن بها خاضعا...
    تقدمت مريم نحونا، غارسة نظراتها بالسجادة الزرقاء، عند اقترابها مني... ألقت نظرة خاطفة أحسست بأنها الأخيرة... اجتازتني في صمت، خرجت من الباب المفتوح... أغلقته بهدوء... ولم أعد ألتقط سوى زفرات أمي على صدري اليائس...





    تلبدت السماء بمهل تكثف السحب القطنية بأفقها... تحجب الشمس عن الكون، تغطي العالم بحلكة خفيفة. تعالت أصوات الطبيعة ترنم الجو، علها تطفي نسمة صاخبة عليه. خرج سالم من خيمته متكاسلا، يحرك قدميه المنتعلتين بقوة على صفحة الثلج الرقراقة... مدد أطرافه يتنفس هواء الصباح بانتعاش، فتح عينيه بتباطئ، رسم بسمة راضية بوجهه الأسمر، زفر الهواء...
    تحرك نحو خيمته من جديد، أخرج ما بها من متاع، حشره بحقيبته المصبرة، ترك الخيمة قائمة هناك، واختفى بين الثلوج...
    كانت الأشجار آنذاك مثقلة بالبرد، تحركها نسمات الهواء، فتنصاع وتتراقص الهوينا... تقذف ما علق عليها، لتصوت حفيفا متناغما...
    ظلّ سالم يدق الثلج، يشق خطاه نحو المجهول، يترنم بما يعرج على مسامعه من أصوات... يصدر صوتا من الأعماق، يتغنى بالنشيد الوطني...
    رويدا يخوض غمار الثلوج، يتذكر بلده، وأهله، ويبتسم في رضى...
    بعد أن قطع الغابة بمسافة لا بأس بها، جلس يستريح من وعثاء رحلته، شاخصا نحو الطريق المقابل، يتوقع من يتمرد على خلوته بأي حين...
    حجبت الشمس نفسها وراء التلال المزملة بالثلوج، تلونت السماء بلون قرمزي محقن، تلألأ البرد، صخبت الأصوات لوهلة... وتوقفت.
    أمسى سالم جالسا في تأمل، متوسما بالسماء، منصاعا لسكون الجو... يتنفس بعمق، يفكر في مشاغله... فبينا هو كذلك، إذ التقطت أذناه صوت خطوات ثقيلة تشق الأرض المثلجة... استقام في فزع، نَشد عن مصباحه اليدوي بالحقيبة، وجهه صوب الصوت شاخصا بعينيه الغائرتين، وركبتاه تصطكان... لاح له شبح أسود يقترب نحوه بتكاسل شديد، أمعن النظر... وإذ به رجل هزيل الجثة... توجه سالم نحو الشبح، والمصباح اليدوي، ينير له الطريق فيمشي على ما ظهر له منه حذرا، اقترب أكثر، والرجل نحوه يقترب، وقف سالم، بينما أتم الرجل سيره نحوه، مهتديا بنوره الهائج...
    وقف الرجل على مقربة من سالم، يرقبه متحيرا، صاح الرجل بلهجة مختلطة:
    - ما الذي تفعله؟
    طغى الهدوء لوهلة، كان سالم، يفكر بما يقوله للرجل الملتف بالسواد، وجه المصباح نحو وجهه، فرآه شابا، وسيما، أنهكه التعب ونال منه الجهد، وجهه نحو وجهه هو ، أجابه مبتسما:
    - أنا إنسان ينشد الراحة والسعادة.
    تقدم الشاب نحوه مهرولا، ولولا عمق الثلوج، لكانت هرولته أسرع... ارتمى الشاب على سالم، قال بينما يلفظ أنفاسه بصعوبة:
    - أنا مثلك!
    استبقا الطريق نحو النار التي أوقدها سالم جنب أمتعته، جلس هو، فيما ظل الآخر يرقب النار في سكون.
    - تفضل!
    جثا على ركبتيه، ابتسم ابتسامة عريضة:
    - لم أحس بالدفئ منذ أيام!
    التفت نحو سالم، مد يده، وقال:
    - أنا توم!
    رد الآخر:
    - وأنا سالم... تشرفت بك!
    ابتسم توم، ونظرة غريبة تلوح على ملامح وجهه، أدرك الآخر معناها، فقال:
    - أنا عربي... لست أوربيا...
    مد ساقيه، وحشر رأسه تحت معطفه السميك، أردف:
    - أنت كذلك! لست سويسريا..
     تلعثم توم، ابتسم، حك أنفه الأحمر بهدوء:
    - كيف كشفتني؟
    تململ سالم، وجلس الأربعاء، نظر نحوه يخترق نظراته:
    - من لهجتك!
    اهتز جسد توم من الضحك، قال بصوت متحشرج:
    - أنا فرنسي..
    ظلّ الرجلان يتحدثان لساعات طوال، حتى وإن لم يكاشف كل منهم الآخر، عن مكنوناته، وما يختلج صدره من أحاسيس وأحداث وأفكار...
    أفصح الصبح من جديد، وأرسلت الشمس أشعتها، تدفئ بها العالم، استيقظ توم بعد حين من إشراقها، خرج من خيمته، رأى سالما يصلي، انتظره حتى أتم، فبادره بالسؤال:
    - ما كنت تفعل؟
    التفت سالم ناحية الصوت وشفتاه تدندنان بالتسبيح والتكبير، ابتسم، استقام ينتعل حذائه قائلا:
    - أبحث عن السعادة!
    لم يفهم توم مراده، سكن الجو بينهما للحظات، تقدم سالم نحوه، ربت على كتفه:
    - مسيحي أنت؟
     طأطأ رأسه نفيا:
    - أنا بدون شيء، فارغ القلب والروح...
    قالها مبتسما في أسى.
     بعد هنيهات، سلكا سمتهما المثلج، نحو السعادة، التي ينشدانها...
    كانت الرياح تشتد بعنف، تمر بين الأشجار، تعلي صرخاتها، تطرد الفراخ بين أعشاشها، تنشر الرهبة...
    لم يكن للرجلين أي محيص منها، استمرا بالسير تحتها، تصفع وجوههما، وتناثر عليهما حبات الثلج المجمدة...
    لم يبد أي خوف على سالم الذي ظلت بسمته مصورة على وجهه الأسمر، عكس توم، الذي كان الخوف يتوغل صدره...
    كان يتذكر في أسى والده المتربع بزاوية الغرفة يردد كلاما متعثرا، يضحك في فزع، يرهب أفئدتهم... تسمعه زوجته يقهقه دون توقف، تقوم إليه تضمه باكية، تتفجر من عينيها دموع أزلية... فيما تتمتم إلى أذنه عله يهدأ، وهو كان يرقبهم بصمت حتى برم من ذلك، وخرج بحثا عن السعادة...
    شخص نحو الثلوج التي غمرت الدنيا هناك، تذكر يوم كان المطر يداهمهم بالكوخ الصغير، كم كان يعاني هو ووالدته، فيما والده يقهقه بأقصى الزاوية المظلمة...
    التفت نحو سالم المتأمل بالأشجار والثلوج المصبرة عليها:
    - لِم تبحث عن السعادة؟
    ولى سالم وجهه ناحيته، وابتسامته تزيد اتساعا وعمقا:
    - لأموت برضى، عن نفسي، وذاتي...
    وقف توم مستفهما إياه بنظرة حائرة:
    - لم أفهم قصدك!
    أتم سالم سيره، مجيبا إياه:
    - ستفهم عندما أصل إليها!
    لحقه توم في هرولة، وكأنه فهم ما يصبو إليه، لكنه لم يشأ الكلام:
    - وماذا عنك يا توم؟
    أتى السؤال الصاعق من سالم، أجابه توم بعد هنيهة وقع السؤال بنفسه:
    - لكي أعود بها، علها تسعد أحوال ومن حولي...
    زفر سالم الهواء، عادت ابتسامته تنشد لنفسها مساحة بوجهه...
    استمرا على حالهما تلك لساعات إضافية، كانت طريقهما تأخذهما نحو قرية "ونجين"، المنبسطة بين التلال الواسعة، المغمورة بالأشجار...
    مع خيوط الغروب المتبعثرة بالسماء، التي تنشر حمرة مركزة، وترسل للعالم إنذارا باقتراب الليل الحالك...
    نظر سالم نحو السماء في فجاءة، قال بصوت يكاد يسمع:
    - ستكون ليلة صعبة!
    نظر توم نحوه في خوف، بادله سالم نظرته قائلا:
    - فلنسرع الخطى باتجاه القرية، علنا نجد محيصا من العاصفة الثلجية.
    طأطأ توم رأسه، وبادر بالاسراع كما سالم.
    اقترب الليل أكثر، وعلت أصوات الذئاب تفزع المار من تلك الطرق الخالية، ولم يكن غيرهما يقطعها...
    كان البدر متربعا بالسماء، يرسل نوره الخافت رغما عن الغيم الذي كان يحجبه، ويتكثف لإرسال الثلوج...
    أمسى أهل القرية، يستعدون لتلك العاصفة الهوجاء التي ستضرب بعد حين، غلّقوا الأبواب بإحكام، وأضفؤوا الأنوار، فسبل الظلام بسواده عليها، ولم يكن يبد منها، سوى نور بأقصى بيت بها...
    هطلت الثلوج، تكسو ما بقي باديا من الأراضي والهضاب، اشتدت الريح الباردة، تسمع زفيرها للمختبئ خلف جدران بيته  العريضة، وتهز أبواب الأكواخ في صخب، وترهب القلوب والأفئدة...
    لم تزل كذلك، حتى ما بعد الهزيع بساعات، كان صخبها يهدأ شيئا فشيئا، إلى أن توقف.
    ظلت القرية ساكنة لحظتها، إلى أن أطل قرص الشمس، عله يهدئ من رهبة الليلة الفارطة...
    خرج الناس من أكواخهم، ينشدون بعضهم البعض، ويتفحصون ما خلفته العاصفة من أضرار... كانوا كذلك؛ بينما برز لهم جسد من بعيد يشق الثلوج بصمت، ملتف بالسواد، وحيد يهتدي في الطريق بفراسته، وأمله...
    تجمعوا يراقبونه، وقد علت وشوشات النساء، في تعجب وخوف منه... تقدم الرجال، حين اقترب طيف الرجل أكثر...
    رفع رأسه نحوهم بعد أن كان يراقب عمق الثلوج بتأمل وصمت... وقف ساكنا لبرهة، ينتظر منهم المبادرة بالسؤال أو الكلام، سار رجل منهم أمامه إلى أن اقترب منه، وقد كان أكبرهم سنا، وصاحب أقصى بيت بالقرية... حشر يده بلحيته الكثيفة، شارد الذهن به... سأله عما يفعله وحيدا هنا!
    كان توم هو من نجا من تلك العاصفة، تاركا سالما خلفه بعد أن لقي حتفه قبل حين من انتهاءها، وكان هو من أمره بالسير للقرية في سبيل مستقيم، مهتديا بالنور الوحيد الذي كان يتوهج وسط تلك الظلمة القاتمة، فإذا هو أتاها، فليطلب من أهلها مكوثه ريثما تنقشع الثلوج، وليطلب منهم معروفا، هو السير لجثمانه، ودفنه بأعلى جبل، لتحييه الشمس أول ما تشرق بأشعتها الدافئة عله ينشد السعادة التي أتى طالبا إياها هناك... بين أحضان الأشجار، وتحت سنا الشمس الصافية..
    تقبل أهل القرية طلبه برحابة صدر، ولم يجدو بُدا من تحقيق رغبة شخص لقي حتفه، باحثا عن السعادة، وسط الثلوج، وبين تيارات الرياح الباردة...
    كانت دمنته، تحت شجرة ألب شامخة نجلاء، يتطاول جذعها بأعلى الجبل، حين ترسل الشمس أشعتها الأولى، وتتجاوزها لكبد السماء، يمتد ظلها، تدثر سالما الجاثم هناك...



    جلست القرفصاء في تأمل، مسندة ظهرها الأحدب للجدار القديم، أغمضت عينيها الغائرتين، زفرت هواء تخلج برئتيها المنهكتين، ألصقت مؤخرة رأسها بالجدار بقوة، تصغي للصراخ بالجهة الأخرى للجدار، والتي كانت تصلها كوشوشات ضئيلة...كانت الريح تشتد، تمر على النوافذ المغلقة، يتخلل صوتها للبيوت كصفير منذر...
    استقامت العجوز نحو النافذة تحكم إغلاقها، وأذناها معلقتان بالصراخ الذي ينساب من الجدار...ذات الصراخ، كان يتردد كل مساء، لم يكن ليتوقف حتى يهجع أهل الشقة كلهم..
    خرجت من غرفتها بهدوء، اتجهت نحو الغرفة التي ينبعث منها الصراخ، طرقت الباب، سكت الضجيج لوهلة، ومال الباب ؛ مبينا من خصاصه  عن امرأة في عز شبابها، وقد ذبلت معالم وجهها من قسوة العيش، وبيدها تحمل رضيعا... نظرت العجوز نحو الرضيع في شفقة، ونحو المرأة من جديد... أتى صوت فوضوي من داخل الغرفة:
    - من ذا الذي أزعج راحتنا؟
    تنفست العجوز الصعداء، قالت بصوت مرتفع، وهي تتطاول بجسدها علها تلمح صاحب الصوت:
    - وهل تركتنا نرتاح لترتاح أنت؟! فمذ استأجرتما الغرفة وأهل الشقة منزعجون من الضوضاء التي تحدثانها كل ليلة، ولن يغمض لي جفن إلا أن أخرجكما، أو تهدءان!
    فتح الباب على مصراعه، وقد أطل رجل بملامح حارة، ونظرة متصلبة يتطاير منها الشرار، اتكأ على حافة الباب، مرر عينيه بالعجوز قائلا:
    - ألا تملكين شغلا يشغلك عن إقلاق راحة الآخرين؟!
    نظرت نحوه العجوز وأوصالها ترتجف، لكنها أظهرت الحزم والشدة حيث قالت بصوت ثابت:
    - الشقة ممتلئة بالناس، وأنت يا سيدي تزعجهم، وأنا هنا بجانبك أعاني، فإن لم ترأف بحالي، فرأف بحال جيرانك هنا! وشغلي هو ما أقوم به الآن!
    ابتسم، وبداخله تتجانس المشاعر التي تتمنى أن تنفجر على العجوز، وتلك التي تقف صامتة بجانبه، نظر نحوها مستهزئا، أمسك بذراعها بشدة، ودفعها نحو العجوز:
    - إن كنت تنشدين الراحة، فخذي إليك هاته! فهي السبب في إقلاق راحتي، وراحتكم!
    أغلق الباب بقوة، وقد علت صرخات الفتاة...بعد هنيهات من الصراخ والرجاء والبكاء، استدارت الفتاة نحو العجوز تتفرس ملامحها المتفاجئة، ونظرة الأسى تتجلى بوجهها، ولسان حالها، يطلب من العجوز السماح لها بالمكوث عندها يرثما يلين خاطرذاك الرجل، ويصفح عنها ويزول ما به من غضب...أذعنت العجوز لتلك النظرة حيث قالت بهدوء:
    - رافقيني لبيتي الليلة، وغدا ننظر في أمر زوجك؛ أقائم هو على ما به أو مصفح ومسامح..
    انكبت الفتاة عليها تتشمل ثوبها الرهو، وتلبب أذياله، شاكرة لها على ذاك الصنيع...
    درأت الباب، ولجانبها الفتاة تقبض على ابنها تضمه لصدرها بقوة لما تملكها من خوف ورهبة... كانت الغرفة مظلمة شيئا ما، فنور المصباح الذي تدلى من السقف يكاد لا يبين عن شيء... أما الأصوات، فكانت ممتزجة، حيث الرياح بالخارج تمرر صوتها من خرم النافذة.. وتحرك كل ما تستطيع تحريكه بالغرفة ليصوت صوتا...
    ترجلت العجوز بخطوتين داخل غرفتها، ونظراتها تقلب الأرض المغبرة؛ استدارت نحو الفتاة، ويداها نحو الخلف متشابكتان، أشارت بعينيها لها أن ادخلي؛ ففعلت...
    جلستا على السرير، والعجوز تتربص بالشابة ما تفعله... كان الرضيع على أحضانها قد أثقله النوم فأضجعته... تنهدت كلمات حبسها الصمت من البوح بها، لولا أن قالت العجوز:
    - تكلمي.. أنا أسمعك!
    انتفضت نحوها تشخص بعينيها الدامعتين لوجهها المتجعد، زفرت هواء ثقيلا... قالت وهي تتنهد بهدوء:
    - كنت قبلا، وحيدة والديّ، ما على لساني يلبيانه لي، دللاني حتى خيل إلي أنني سأكون هكذا لبقية الحياة.. لكن؛ بين ليلة وضحاها، تعرفت على ذاك الرجل، ورغم فارق العمر، وفقره، وجهله، عشقت منه كلماته التي كان يمطرني بوابل منها، ولم أصارح أحدا بشأنه وشأني...
    توقفت تستدرك بذهنها بعض اللحظات التي لم تشأ البوح لها.. وقد برزت دمعاتها واشتدت تنهداتها..تململت العجوز بجلستها كثيرا، تنتظر بقية الحديث:
    - وبعدها؟!
    قالت دون أن تبدي للفتاة فضولا بما تحدثت عنه:
    - بعدها.. تقدم لخطبتي.. فأبى أبي، وغضبت أمي بشدة حين علمت ما كان مني من أفعال وكتمان لمشاعري.. وما عدت أطيق الحياة بعد أن انقطعت عني أخباره، وحبسني عنه والداي.. فما كان مني إلا أن وعدته بلقياه..
    .
    تنفست الصعداء، وقد تنقلت عيناها نحو المصباح الذي ينفث بإصرار نوره الشحاب..

     أردفت:
    - هربت من الترف، بقدمي نحو الذل والفقر وغصة الألم والعيش الممتهن.. لا أنكر أنه بالأيام الأولى اكتسب، وما ترك بابا إلا طرقه لأجلي، وكنت حينها حبلى...
    قاطعتها العجوز وهي تشق الخطى نحو جربة الماء تهزها:
    - لم لا تعودين لبيتك، حيث ترعرعت، وعشت الترف والغنى.. بعيدا عن هذا المكان السمج!؟
    استقامت الفتاة:
    - عدت بعد أن وضعت طفلي، لكن لم يقبلني والدي، رغم أنني قرأت في عينيه، ألما ما رأيته تعرض له قط!
    ابتسمت العجوز باستهتار:
    - وهل توقعت منه أن يعانقك ويقبلك، ويفرح بحفيده غير الشرعي، و يبسط لك الفرش، ويزين لك الجدران احتفالا بعودتك؟

    سكن جو الغرفة إلا من صرير النافذة، ونقر العجوز على القربة...
    - ولم أنت هنا معه؟
    - كنت آمل أن يتصبر والدي أو أن يتحلم بعد قصدي للدار كل يوم لأسبوع.. لكن ما كان منه سوى الصدود.. وكل مرة يزيد حنقه على المرة السالفة.. فلم أجد بدا من العودة لهذا الرجل..
    توجهت نحوها العجوز:
    - ألم تتزوجا؟
    طأطأت رأسها والدمع يتسرب من عينيها بقوة..
    تنهدت العجوز:
    - ماذا حصل بعدها إذن؟
    - عانيت حقا في البحث عنه، ولما لقيته، تنفر مني ومن ولده، وقال أنه لا يمك قوت يومه فكيف بي وبالرضيع.. فمن شدة ما نالني من الجهد والحسرة، ومن التشرد والضياع، طلبت منه أن يخليني عنده وأنا أعمل وأكسب الأجر، وأنا وما كسبته له.. فتهلل وجهه ورضي مني ذاك... بعدها استأجر هنا، وكنت أترك الصبي معه صباحا، فأعمل وأتكسب.. ويتركه معي مساء، ليهلو ويلعب.. وينثر جزافا ما بذلت فيه القوة والجهد.. فاستهتر وارتخى عزمه وقوي كبره وإعجابه بنفسه.. فكنت أصبر لأيام.. وكان كلما عاد فجرا.. أمطرني بكلماته الجارحة.. وأرهقني بعصاه حتى يصيبني الوهن.. فما استطعت التحمل.. وصرت كلما كسبت مالا ادخرته لنفسي، وأعطيته القليل درء لما قد ينالني منه.. فلما فطن لفعلي.. حدث ما سمعته منا..

    صمتت الفتاة وكأنها أزاحت عنها جبلا من الهموم، والعجوز نحوها شاخصة وقد امتلأت عيناها دموعا، لو رفعت الفتاة بصرها نحوها لأدركت شدة شفقتها عليها..
    - ما هو اسمك يا بنية؟
    نظرت نحوها:
    - سعيدة..
    أطلقت العجوز زفرة قائلة:
    - ولا أراك كذلك.. توسدي الغطاء، واضطجعي، أنا سأفترش الأرض...
    قامت سعيدة تلبب أثوابها:
    - بل أنا أفعل!
    حركت العجوز يدها في الهواء:
    - لا عليك.. فلم يهن عظمي بعد.. أما أنت فما أصابك من الجُهد والجَهد قد أودى به.. نامي ورضيعك إلى الصباح لننظر في شأنك!

    ضجعت الفتاة وصغيرها، لكن العجوز لم تأخذها السنة ذاك اليوم... كانت أطياف ما روت الفتاة، تتجسد لها صورا، بذاكرتها، فكانت تفكر كيف تساعدها في محنتها...

    تخللت أشعة الشمس من بين أعمدة النافذة، وقد أنارت الغرفة وأبانت منها ما لم يكن ظاهرا ليلا... بعد ساعات استيقظت سعيدة، وهي تحوم بناظريها حول المكان، كأنها لم تدرك ما حدث البارحة.. أتاها صوت العجوز يحفز ذاكرتها على التذكر:
    - استيقظت لتوك؟!
    حركت رأسها إيجابا... وهي تقلب عينيها بالفراش من شدة ما تملكها الخجل، لاستيقاظها متأخرة...
    بعد وجبة الفطور المتواضعة، قامتا تنشدان الرجل، لكنه كان قد غادر الشقة، وقد جمع متاعه، وترك الأجرة على السرير.. كان قد قرر الرحيل للأبد..
    ظلت سعيدة مطرقة الرأس، ملببة الأثواب، ودمعاتها لا تكف عن الانهمار.. وصبيها على حجرها، في نوم عميق.. كانت تفكر كيف تنجو من ما رمت نفسها فيه، وقد أهلكها ما مرت به، وتعبت منه أشد التعب...
    ظلت هي بتلك الغرفة لأيام، والعجوز تتفقدها كل ليلة، إن كانت بحاجة شيء ما، ولم يفتها أن الفتاة قد تردى جسمها وهزل، وخار قواها وضعفت.. فكانت تترجى الله أن تقوم من مصيبتها تلك سالمة..

    بليلة اكتمل البدر بها في زهو بين النجوم الضئيلة.. تعالت الزفرات من غرفة سعيدة.. والصبي يبكي حينا، ويصمت أخرى، علَى أصوات العجوز وأغنياتها.. وقلبها له مترفق، وعلى أمه مشفق.. كانت سعيدة تفترش السرير، وقد نال منها المرض واشتد بها.. فصارت طريحة الفراش تنتظر الحينة والأوان والأجل..
     خشيت إن هي غادرت لدار البقاء، أن تحمل العجوز ما لا تطيق، وتكلفها بما لا تستطيع، من العناية بالصبي والقيام على شؤونه.. فاستدعتها تخبرها عن الشأن بعد وفاتها.. وكانت العجوز تنتظر خبرها بفارغ الصبر وعلى أحر من الجمر..

    ولّت سعيدة وجهها شطر العجوز، وعيناها تتلألأ من الدموع.. وشفتاها قد جفتا.. ووجهها قد اصفر وهزل.. تبسمت بصعوبة، وأمسكت يد العجوز في حنان:
    - ما تسعني الكلمات لأشكرك مهما حاولت.. وقد حان الفراق.. وأتعبتك معي لأيام طوال..
    سكتت خاضعة للصمت، وعيناها معلقة بعيني العجوز التي بدأت بالبكاء،
    أردفت:
    - إذا لم أصبح، فانطلقي بابني هذا لوالدي.. العنوان على ورق بين ثيابي بالخزانة..
    اتكأت على قفاها من جديد، وهي تبصر السقف، وقد سكنت تنهداتها.. وانشرح صدرها.. وبدت بسمة ضئيلة على صفحة وجهها التعب.. ربما كانت راضية بكل شيء مرت به..بالصباح التالي..

    لم تكن الزقزقات على كثرتها تمر بأذني العجوز.. ولم تفتح النافذة رغم أن الضياء باغثها بإصرار.. كانت جثة سعيدة هامدة فوق السرير.. بلا حراك.. مشخصة نحو السقف.. والبسمة لم تمحها الساعات.. ولا الأحزان والمصائب.. غادرت الدنيا بابتسامة.. بعد أن نسيت كيف تبتسم..نفذت العجوز وصية سعيدة، رغم مانالها من رفض الوالدين بداية.. لكن شاءت الأقدار أن يكبرالصبي بين حضني جديه.. واللذان أسفا على ابنتهما، وحزنا لعدم قبولها ذاك الوقت.. ولكن الندم لا يصلح شيئا في الحياة...






    على الشاطئ؛ حيث الشمس تتلألأ بصفحات الأمواج المرتخية.. فتعكس ضياء يرتعش مع مرور يد الرياح الحانية.. مطلقا صوتا هادئا.. تخشع له الآذان والأفئدة.. زرقة السماء كانت كانعكاس لصفحة البحر الهادئ.. لا يتبين منتهى البحر ولا السماء من تشابه الزرقة؛ إلا بخيط رفيع من ضياء  يتراقص من بعيد..
    كنت أمر حافيا على الرمال الذهبية.. تهيجني حرارتها، وترعشني المياه التي كانت تتهافت علي مرة كل حين.. وصوت النوارس يعج بأذناي، كما تعج هي بالسماء...
     كنت أحملق نحوها تخفق بأجنحتها تارة، وتبسطها تارة أخرى، لتترك للرياح القيادة...جلست على الرمال، أتذكر كل شيء.. ويبدو لي أن البحر كان يستوعب كل ما أتذكره..تمر نسائم الريح تتحمل الروائح.. وتهيج ذاكرتي.. حين أستنشق روائح أثيرة مرت بها الرياح قبل زمن هنا..كانت بيدي باقة ورد تتماسك فيها بضع زهرات، شارف ماء حياتها على الجفاف.. وقد اعوجت سيقانها.. وصارت أخف ريح تقتلع أوراقها الوهينة.. لم يكن بالي منشغلا بها كما كنت عادة.. ولم يأخذني جمال الجو إليه كما كان يفعل..
    كنت أراقب منتهى ما وصل إليه بصري.. وبذهني تمر الصور في تسارع شديد، تتخللها أصوات النوارس كما اليوم..لاحت بذاكرتي أطياف عابرة.. تجسدت أمامي حتى خلتها حقيقة..

     كانت أمي تقف على الضفة.. وأذيال ثوبها مثقلة بماء البحر.. تنظر إلي بطرف سعيد.. وبيدها باقة زهور ملونة.. تنبعث روائحها.. وأشتمها وأنا متربع هنا!في يوم سابق.. وأمي هناك متصلبة.. تراقبني من الضفة.. أركض بصعوبة نحوها، والرمال تبطئ جريي.. والشمس هناك تميل محرجة نحو مغربها، مخلفة حمرة قرمزية تتلاشى شيئا فشيئا.. والزهور بيد أمي، ترقبها في صمت وسكون.. والطيور تصرخ في أفق السماء.. وصوتها الصاخب يزعجني..وقفت أمامها متصلبا.. وعيني لا تنزاح عن السماء التي غطت أجنحة الطيور أفقها.. كانت تقف حيث كانت.. وتراقبني بصمت..مدت الباقة أمامي.. وهي تقول:
    - تفضل.. كما وعدتك.. أزهار ملونة هذا اليوم أيضا!أخذتها وأنا أبتسم.. وذهني متشاغل بالأصوات الصاخبة..رسمت أمي على شفتيها ابتسامة..- لمن ستكون هذه الزهور؟تطاولت بجسدي.. كأنما أحاول بلوغ أذنها لأهمس فيها.. علها تسمع صوتي بدل أصوات النوارس.. وهي انحنت بخفة نحوي متحمسة.. قلت بصوت خافت:
    - سأرميها في البحر..
    استقامت من جديد.. رمقتني بنظرة لم أقرأ فيها أي معنى.. وكدت أنسى أن الطيور تنعق بصخب..

    وأنا أجلس هنا أتذكر.. وقد خفت ضياء الكون.. إلا من لمحات تضيء بعض الأماكن.. وبعد الصور بذاكرتي..استقمت.. وتوجهت نحو الضفة.. وقفت حيث كانت أمي تقف.. وقد سكنت كل الأصوات.. وربما كنت هناك وحيدا.. أرقب بطرفي النقطة البعيدة في الأفق..لم أكن رميت باقة الزهور في البحر ذاك اليوم.. كان سكون أمي مهيبا لي.. خشيت صمتها.. ونظرتها الفارغة مازالت ترتأى أمام عيني!سرعان ما ذبلت الزهور.. ولم تعد ملونة! واضطررت لتركها بمكان ما..ومن يومها، لم تحضر لي أمي ورودا ولا أزهارا..

    والآن.. وقد مرت سنون.. ومضى من عمري أكثره.. وفارقتها يوم وداعها الأخير.. ولم تعد هنا.. لتقف بالضفة.. تراقبني حتى آتي إليها، وأرسم لها ابتسامة متأملة.. وتبادلني بأنصع منها.. وقد أخفت الباقة خلف ثوبها الرهو.. تبديها كلما اقتربت نحوها.. وتتسع ابتسامتها كلما لاحظت ابتسامتي.. وأنا لسعادتي، أراقب النوارس.. علني  أمتلك أجنحة أحلق بها فوق سحائب السماء.. رفقة والدتي! وأخبرها بهمس؛ أنني لا أحتاج زهورا..وقفت بثبات.. وأنا أستعد لرمي الزهور بالبحر.. ألقيتها هناك.. فتفرقت بالهواء.. وانحنت فوق البحر بهدوء.. تمنيت أن تصل الزهور يوما لأمي.. في مثل ذاك اليوم.. والنوارس بالسماء.. وثوبها يتراقص مع نسائم الرياح الخفيفة.. وبسمتها الناصعة تبرق وتشع.. وأن أهمس بأذنها حين سألتني عن ما أفعله بالباقة؟
    - أهديها لك!


    جميع الحقوق محفوظة ل الوطفاء
    تصميم : Abdo Hegazy