404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة
  • العودة الى الصفحة الرئيسية
  • مقتطفات شعرية:

    والبدر يستر بالغيوم وينجلي === كتنفس الحسناء في مرءاتها
    حينما أتفكر في الذكرى بتمعن، أدرك أنني لم أستوعب تقاسيم وجهها ولو لمرة واحدة!..
    جدتي.. أنت هناك الآن، رفقة من غادرونا.. كيف لي أن أسعد عينيّ بنظرة لوجهك الأسمر؟
    لا أزال أتذكر معظم تفاصيلك الجميلة، مشيتك الفريدة، التي انحنيت فيها تبحثين عن شبابك بين الثرى، ملابسك الزاهية التي تلون سحنتك، لكي لا نعتد بسنك، أذناك المقرطمتان المتدليتان، خرقة رأسك التي غاب لونها عن ذاكرتي، وإن رأيتك بها قبل أشهر فقط!
    كيف لي أن أتذكر وجهك إذا لو طالت السنون، ومر الدهر متباطئا يثوي بجناحيه يكسو ربوع الذكريات... يجعلني أستنشق ريحك، وأنت تمرين من أمامي في سكون، أسمع أنينك الصامت، وأترنم بضحكتك التي يتردد صداها جليا بمسانعي إلى الآن!.. دون أن أدرك أنها ريحك وضحكتك وصوتك!..
    كلماتي تائهة مثلي، ومثلك وسط تلك المقبرة الساكنة حيث تتربع دمنتك.. أتراك تشاهدينني من السماء؟!
    لعل روحك تطفو.. ما تزال عالقة بين الديار والأحباب.. لعلك تشتاقين لنا في وحدتك.. نحن نفعل وإن امتلأت الحشود هنا...
    حين يذكر اسمك فجأة، تطأطئ الرؤس وتخشع الأنفس، وتصلي الأرواح لك في همس..
    ما أزال خائفة كما اعتدت، أنا لوحدي وسط الظلام أسطر كلماتي النابضة، بدماء قلبي..
    ما أزال أشاهد طيفك، يصعب علي الجزم بأن الزمن قد محا اسمك من طراسه!
    يصعب علي نسيانك!
    لم أتحدث مرة إليك، لم أكن أفهم لغتك!
    وأنت تعرفينني كما الجميع! لا أتحدث إلى الآخرين إلا نادرا..
    أنا فقط أنزوي في عالمي أراقب الجميع بصمت.. وأتمنى لو كنت فردا يتبادل الحديث مع باقي الأطراف!
    أندم.. لأنني لم أعانقك يوما.. لم أفعل، ولعلك لا تعرفين مكانتك بقلبي..
    أنا أشتاق لكل شيء.. أخفي اشتياقي بكلماتي اليتيمة، وبسمتي المتحطمة..
    أنا.. أكتب لك هذه الكلمات لتزوريني بحلمي علني أضمك فيه!
    أشتاقك...




    لم يكن صوت طقطقة المروحة يزعجها أو يكدر راحتها.. كانت هادئة شيئا ما.. ما تنفك مستوية بركن الغرفة ترمق الكل بعين حانية، تشاهد في صمت كل المجتمعين، وتبتسم..
    إن سألت عن سنها فقد حطمت من الدهر عمرا سابغا مديدا.. حتى رسم تعاليمه على غرتها، ولون تقاسيم وجهها بطوله.. أمال قدها بعوثه، وانحنى ظهرها جراء مكابدة خطوبه..
    وإن كانت تلف الثياب الكثيرة، وترتدي، رغم الحر، ما عجز الصبيان عن ارتدائه، فما غاب عن أحد هزل جسمها ورق عظمها، وضعفه.. بيد أنها مشرقة الملامح، كأنها لم تحطم قرنا من الزمن.. تتحرك في أركان البيت والعيون نحوها شاخصة..
    دوما ما كانت ترتدي أثوابا ملونة مزركشة، لا زال دأبها كما هو.. تتأنق على طريقتها.. فترتدي اللباس التقليديّ، وقد تلون وجهها بابتسامة عذبة..
    بينما تقرطم أذنيها اللتان تدلتا بفعل الثقل، بقرطين يشبهان عملة ذهبية ترتسم فيهما الواجهة اليسرى لوجه امرأة..
    تسأل عن حالنا كلما أبصرتنا.. تمسك كفها الأشلة بكفي، تخاطب عيني بعينيها الضعيفتين.. ربما كانت لغة العيون أبلغ من لغة الكلام حين اختلاف الألسن..
    ألجأ حين قبضي على يدها، إلى تلمس تجاعيدها.. كيف للزمان أن ينحت رسمة مبعثرة على كفها بتفان!!
    إذا ما جلست متربعة، يتجلى في استوائها كل مظاهر الجلال والوقار.. ما تطرق رأسها إلا وقد بدت عينيها الكحيلتان في أجمل ما يمكن ملاحظته، تتيه في وصفهما الكلمات المعبرة، وتعجز كل الأوصاف عن إقامة تعبير يوافق جمالها.. على جيدها حبل صوف أسود يتطاول لصدرها، يتوسطه ما يشبه جيبا يتسع لهاتفها الصغير، تحشره بين طيات ثيابها تخفيه، وإذا ما تدلى ينكشف، أعادته بيدها المخضبة حناء، إلى مكانه..
    كل من يراها يحبها، وجهها يرتسم بصور التاريخ كلما رأيتها... ما زالت بنظري أثرا يجسد البهاء والوقار..

    1914.....2017/11/15

    تغمدك الله برحمته, وحيتك شمس الضحى بإشراق على دمنتك, أبد الدهر..



    تتوسط ساحة البيت شجرة... يتطاول جذعها بالبستان الصغير، تسند أغصانها الباسقة للهواء... تقذف بحباتها المتوسطة على الأرض، في فصل الصيف الحار... كان جدي يسند جسده المتعب إليها... لتريحه من عبء الزمن... وجريان الوقت اللعين... يتذكر آنذاك حاله منذ زمن... حيث كان أطفاله حوله يتملون بين تلك الشجيرات... و حول شجرة اللوز...تقفز في ذهنه ذكريات زوجته المرحومة... يتذكرها بالشجرة التي كانت تعتني بها كل يوم، وتبتسم حين ترى عملها ينمو يوما بعد يوم...يتذكر يوم وفاتها... كم حزن وصدم... لكنه لم يبد ضعف أحاسيسه أمام ذريته... وهم فوجئوا لبرودة مشاعره...يوما... خرج من غرفته مرتديا طاقيته المعهودة... يعدلها على رأسه الأشيب.. لكنها لم تكن كما ألفناها عليه... سمعت والدتي حينها تقول:"أين من كانت تنتبه لمظهره؟" التفتت فلاحظت أنها متسخة... وقد ارتداها على وجهها الداخلي...نزلت من عينه دمعة حارة تشكي الحنين... وتتذكر ما غبر وسلف من ذكريات، تحت الشجرة، التي تقذف حبات اللوز كل حين...فقط في الصيف...





    ربما اتكأت على جذع شجرة عريض، أحسب نفسي في جنة ساحرة بسمائها القرمزية الدافئة... تنسج السحب القطنية المشعثة؛ تعلن أن زخات المطر ستطل علي قريبا؛ لتجعل جسدي يرتعش من البرد... وأسناني تطقطق في رتابة صوتا من الأعماق.. لنكن بعيدين حتى لا أتخيل الكثير... و لا أتأمل الكثير... سأظل تحت السماء، حتى لو ارتمى الودق هنا وهناك، وبلل ملابسي الفضفاضة الرهوة... و غطى وجهي بغشاء بارد... يلهو بين ملامحي..سأكون أنا الزهرة الصغيرة؛ التي تحيى رغم كل شيء... يوما دهست بأقدام... و يوما أحرقتها الحرارة... و يوما لم تذق فيه الماء... لكنها قوية و قائمة. رغم صغرها و ضعفها.. وستكون تلك الأقدام؛ قلبك القاسي، الذي لا يرحم الود الذي منحته إياه...دهستني بقوة... ورغم ذلك؛ بعد مرورك... تطاولت من جديد..ستكون حرارة الشمس؛ كلماتك الجارحة؛ التي تلدغ كياني كلما هبت... و كلما جرت من لسانك لمسمعي... مرورا بفؤادي المهتز... لكن بعد غيابك؛ استطعت اكتساب لوني البهي من جديد... ستكون الظمأ الذي لم أذق معه سعادة... تغمرني كقطرات الغيث، لكن ستمر سحابة أخرى يوما ما... حينها ستبلل أطرافي... و تنعشني... و تحجب الشمس اللعينة عني... وستسنح حينها الفرصة لمن كاد أن يدهسني... بالتأمل في جمالي و استقامتي..سأنسى اليوم المتعب الذي كان أنت..   


                                                                                       مواساة للزهراء، صاحبة القلب الرحب ..





    قمر خيالي..
    يزعجه المنظر الخارجي لغرفته الصغيرة، حيث تظهر نافذته ما عرج على ناظره مما يرتسم في خلفيتها، وقد صغرت مساحتها عن استيعاب أفق الكون بما يحتويه..
    أمامه مباشرة، جدار قصير، يتذكر وجوده منذ زمن، والجدار ثابت هناك، رغم ما شابه من ثقوب وشقوق كتجاعيد تبدي مدى هرمه وقدمه، يحجب عنه بستانا وارف الطول والعرض، تطل من السور أغصان أبت إلا مباهاة وفخرا بطولها وخضرتها، وقد برزت من فوقه في شموخ.. على حاشيته تستظل الكلاب والقطط الشاردة..

    لم يكن يجد ما يسليه عما هو فيه، كأنما سجن جسده هناك بالغرفة، ومنع بصره من التحليق في الأفق كذلك..
    لم يكن،رغم المرض، قد هان عظمه وارتخى عزمه، كان يحلم دائما بالخروج من قضبان ذاك السجن ليرى الكون الفسيح بأركانه وتفاصيله الجميلة، التي تبعث في النفس ثمالة من نوع خاص.. وقتما تصادف الخمائل والأزهار وخضرة البساتين المبدعة..
    ما كانت نافذته الصغيرة لتغني عن عينين طليقتين..
    ولم تكن لترسل له في عتمته كل النور الوارف الذي يتمناه كلما دجت المصابيح من حوله، وسكنت الأصوات خاضعة لسلطان الليل المهيب..
    ما كانت لتسمعه معظم الأصوات خارجا..
    ما كانت لتسعده..
    وتسليه بمناظر تنسيه وحشته هناك..
    معظم وقته كان منحشرا في فراشه مدثرا بغطائه السميك، وقد توجه بصره نحو السقف يراقبه في أسى.. ربما كان يتخيل إليه كيف قد تكون السماء هناك خارجا، عاليا..
    إن ترك مضجعه لوقت؛ فإنما يخرج رأسه من النافذة يلمح الجدار، والأغصان على رأسه تتهافت، يتمنى لو كان مكانها يطل برأسه على الكون..
    بوقت الأصيل.. حينما تميل الشمس شيئا فشيئا بغية محجرها.. كانت ابنته تقتحم الغرفة في سكون.. وهو مستوٍ على السرير.. يسمع خطواتها الرشيقة.. تصخب المكان، بهدوء؛ توضب الغرفة.. وتغلق النافذة الضيقة، تلقي نظرة خاطفة نحو والدها.. تلتقي عيناها بعينيه المتعبتين.. تهرب إلى كل شيء منهما.. نظرتها تلك ربما كانت لتعرف إن ظل على قيد الحياة..
    لعل قلبه كان يرجو لو نبست بحرف واحد لأجله.. ليخرج من قفص الصمت ذاك.. ليحرك عضلة لسانه ولو لمرة واحدة في اليوم..
    جلست ابنته أمامه..استدارت نحوه تشزر لعينيه بعمق، ودت لو أنه يدرك ما ترمي له تعابير وجهها ويتوقف عن التحديق بها ساكنا... هو تنفس الصعداء... استقرت  يده بتثاقل بكفها المرتجفة، ربتت بهدوء، وهو شاخص نحو عينيها، يتأمل في صمت ما يكون منها... سحب يده، وعيناها يتطاير منهما الشرار، رفعت سبابتها نحو النافذة المقابلة لرأسه:
    - لا تفتحها مرة أخرى.. الغبار يتطاير بكل مكان بفعل الرياح..
    رفع رأسه عن الوسادة، حاول الجلوس بهدوء.. نظر نحو النافذة:
    - ليت الغبار يقصدني هنا!
    توجه بصره نحو عينيها من جديد، نظر عميقا إليهما، كأنما يحاول اختراقهما..
    استقامت، وقد صرفت عينيها نحو الأرض هربا من نظرته المتألمة:
    - حتى وإن فتحتها، فلا شيء خلفها يصرفك عما أنت فيه.. ما يوجد سوى جدار قديم.. وحيوانات مشردة، وغبار يتطاير نحو غرفتك، ويتعبني كل مرة..
    توجهت نحو الباب، بخطوات متباطئة.. فتحته ليأن كما يفعل عادة.. أتاها صوته من السرير مهددا:
    - إن كنت تنتظرين حينتي.. فسأموت إن لم تفتحي تلك النافذة!
    توقفت قليلا، تستدرك بعض الكلمات لتقولها.. ولكنها عجزت عن إخراجها، فابتدرت خارجة وأغلقت الباب خلفها بهدوء..

    ظل هو هناك على السرير.. وقد دثر وجهه بالملاءة، وظل منحشرا على فراشه مذ تلك اللحظة.. ينتظر الهزيع، حين يضجع الكل.. ليفتح النافذة، ويستأنس بأغصان الشجر المتهافت من على الجدار.. ويسمع صدى القطط والكلاب الشاردة، ويتخيل منظر السماء من فوقه.. ربما كان القمر هناك وحيدا مثله..
    تنهد طويلا.. ربما كان يتخيل القمر في سماءه، أكان وحيدا كما هو.. منحشرا في زاوية مثله..
    أكان يشرق رغما عن النجوم التي تذهب بعض جماله..؟
    أكان متربعا هناك لا يغره تجاهل الناس له..؟
    أكان هناك مفترا إذا ما تغنى أحدهم بجماله، ووصفه بالبهاء وإن كان غير ذلك؟..
    أكان يسعده منظر الناس هناك.. يرمقونه أحيانا دون أن يلين فؤادهم له..؟
    أكان يعجبه كل ذلك..؟
    أكان مثله يتسلى بمناظر الطبيعة البهية.. ليبعث في نفسه شيئا من الراحة علها تسكن روعه.. وتؤنس وحشة الوحدة التي يمر بها..؟
    أكان وحيدا حقا؟
    يشبهه في كل ذلك؟..
    وإن لم يكن.. فرسمه الخيالي الوحيد يتلون في مخيلته ما دجى النور، وألقى اليل ديباجه الساحر..

    تطل الشرفة الصغيرة على منظر العالم خلفها، وقد تدلت أغصان الشجرة الكبيرة على إطارها وشيء من خصاصها.. يمر الناس من هناك ذهابا وإيابا.. وربما لم يلتفت لتلك النافذة الضيقة أحد!
    كان الشيخ يجلس خلفها وحيدا، وقد أمال السقم والمرض قده.. وعاث الفقر بناصيته، فتقاسيم وجهه تحيل على ما مر به من كد وهم.. على جسده ثوب أسمج من حاله تلك..  لم يكن له أنيس يأنس غربته، أو جليس يبث له أحاديثه وأسراره..
    كان يراقب الناس من النافذة.. ولا أحد يراقبه منها..
    كان يصغي بتمعن لكل أحاديثهم، وهو هناك مستوٍ.. لا يملك أحدا..
    بالصباح؛ تطل عليه الشمس من هناك.. وهو يحييها بامتنان.. وينتظر دوما متى يطل بعض سناها عليه من تلك النافذة..
     يمر الحمام، ويرتكن عليها لمدة من الزمن.. فلا أحد يقلق راحته إن هو مر من هناك..
    والشيخ يفتر لاستئناس الحمام بصحبته على النافذة.. فلم يكن يصدر صوتا حتى تغادر هي بطوعها.. بينما يتمعن في جمالها، ويخشع لصوتها الرنان.. يذكره بأيام مضت، لكنها في ذهنه محفرة، كأنما كانت البارحة..
    يوم كان البيت ذاته عامرا بالأصوات، والضحكات.. حتى لم يتسن لهم سماع صوت الحمام العابر.. لم ينتبه لوجوده أحد.. الكل كان مشغولا بنفسه..
    أصواتها الآن.. تهيج لحظات لم يأبه لها ربما.. لكن ذات الصوت يتخلل مسامعه ويرسم أمام ناظريه صورا عن حياته في مدة تنيف عن العقدين.. حين كان محاطا بمن يهتم لأمره.. ويهتم هو لأمرهم..
    قبل سنوات مرت، كانت الشجرة هناك لا تتجرأ على إطار النافذة.. كانت قصيرة لا يأبه لوجودها من عدمه أحد.. ترعقها الرياح إن عصفت بها، تهز أغصانها الدقيقة وتزحزح سيقانها الواهنة..
    أما الحمام فما كان ليحط على النافذة تلك، والصخب يعلو المكان..
    لم تكن الشمس تطل بحرارة وقتذاك، كما خالها الشيخ بحد زعمه، كان ما يحيط به يشغله عنها وعن نورها وعن وجودها..
    الشمس والشجرة والحمام كلها أطلت على حياته بعد فراق أحباءه..
    هو لاحظ سنا النجم الكبير وبريقه، لأول مرة حين كان يتربع على الأرض يائسا.. يبكي بحرقة زوجته التي أفل بغيابها نور البيت كله.. أشرقت الشمس في تكاسل تحييه.. وتنير له البيت بما فيه من أركان...
    الشجرة القصيرة تزايد حجمها وتطاولت هناك تحت النافذة، لتشهد عناية الشيخ بها.. فما كان يمسي إلا وقد سكب عليها ماء تنتعش به وتعمر به الدنيا كما فعل.. الآن هي هناك شامخة نجلاء لا تهزها نسمات الرياح الخافتة!
    يستظل بظلها  الحمام على النافذة، وربما كان قد شيد عشه بين أغصانها..
    لما غاب أطفاله الصاخبون، وسكن الجو وهدأ، أطل الحمام على البيت، وصار يمر كل صباح، يراقب الحوش في تأمل، والشيخ مستوٍ على كرسيه، يصغي بتمعن لهديلها، ويتأمل في سكون شموخ الشجرة، وطولها، مستأنسا بأشعة الشمس الدافئة..


    بعد أن استوى على المركب جالسا، ينشر نظراته بأركانه... لم ينس شيئا يجعل أمسيته الجميلة تضيع هباء...تفنن بما أقامه على زورقه الأزرق، يقدر نفسه و يثني على عمله... تذكر اليوم الأول للقاء... يوم كانت هي تنشد ما تعبر به النهر... و يوم كان هو يبحث عن المال...استقلت قاربه بعد عناء بحث، و لم تفه بحرف... نظرت نحو عينيه في براءة... ثم نحو الضفة الأخرى...و هو فطن مقصدها... و حرك مجاديف مركبه في هدوء...كانت السماء ملبدة آنذاك... و هو لم يكن يرى سواها... لعل حبات المطر ارتمت عليهما... و بللت شيئا من وجهه، و شعره الأملس... عله يستفيق مما هو عليه...هبت نسمات الرياح تحرك شعرها بطريقة مبعثرة... تارة تغلف وجهها الصافي... و تارة تلمس وجهه... و هو كان في سعادة غامرة...و عند الضفة الأخرى نزلت هي في حبور... وودعها هو بحزن.... و لم يقبل منها مالا...مذ ذاك الحين؛ استمرت بقصد قاربه... و استمر بإيصالها حتى تمكن حبها من قلبه...و شاء أن يبث إليها أشواقه و أمانيه و أحاسيسه... هو ينتظرها الآن... وسط قاربه المزين بالشموع المضيئة... و السماء ملبدة على وشك إرسال الودق الغزير... و هو فارغ البال إلا منها...و هي لم تأت بعدها أبدا...


    أتذكر صراخ والدتي بسفح التلة قرب الشجرة اليابسة... تنادي أخي بيأس... يسحبها والدي بعيدا بقوة، تهيج دموعي لأول مرة بفصل الخريف... تساقطت أوراق التوت الجميلة، اكتست الأرض المعطف الأحمر... غطت نفسها بكآبة ملونة...صرت أقصد السفح... علني أرى أخي قادما من المدينة بصخب... انتظرته طوال فصل الخريف والشتاء... لكنه رحل!كنت أسند ظهري باتجاه الشجرة المزهرة... التي شهدت غيابه يوما... وارتوت من دموع أمي... وتغنت بصراخها المنجرح...أسلي ناظري بجمال المكان، بخضرة السفح اليانعة... بنوتات الطيور المغردة... وألوان رسم فصل الربيع معظمها... كان صوت القطار يصدح بالأرجاء... وكنا نرتقب أخي مع كل قطار...كانت الأزهار المتفتحة زاهية... والسماء صافية، تبعث تحية الشمس الحارة... صوت الحشرات يطن بالآذان... يبعث في نفسك شيئا من الرضى... أخي انتظر فصل الربيع بشوق... وتمنى أن يراقب بهاء الكون هنا... ربما لم تسنح له الفرصة هذه السنة!...بهزيع تلك الليلة... كانت الأصوات ساكنة لوهلة... طن صرير القطار، واختفى، كنت أوقد القناديل في سعادة... حين سمعت درأ باب البيت في هدوء... وتنهدات والدتي المختنقة...التفتت، كان هو! لم يفته فصل الربيع بالسفح الكبير...


    خرج مسرعا من بيته المتطاول بالحي المرفه... لم يلتفت للأزهار جنبه، لم يعر أجسادا مصدومة أمام بيته اهتماما.. لم يسأل عن أحد...استمر بالهرولة والجري لمسافات، ذهنه كان جامدا، لم يفكر بامتطاء سيارة أجرة تختصر عنه المسافات الطويلة...كان قد استيقظ لتوه، بعد ليلة ليلاء، مرت عليه بثوانيها، دون أن ترحمه فيها اللحظات اللئيمة... قد كان الجيران يصغون بتمعن لهتافه وسط ساحة بيته الواسعة، يرعب المارة، ويشنق نفسه بالكلام...زوجته؛ كانت تتربع على الدرج المفضي للحديقة، تتملق إليه النظرات... تحس بغضاضته المفهقة على كل شيء... لكنها تستمر بالحديث والصراخ والمعاتبة... لتنفذ صبابة صبره المتبقية... هو لم يأبه لحديثها يوما، رغم أن شجارها كان أليما... لكن لم يشأ إلا مسايرتها... رغم أنها لم تلق بالا بمظاهره وأحاسيسه الثائرة!-سأرحل! قالت ببرود... طأطأ هو رأسه إيجابا، مطرقا على الأرض كي لا تلتقي أعينهما، ويشفق عليها مرة أخرى... حملت حالها، واستلت حقيبتها المجهزة منذ زمن، شقت الطريق نحو السياج الخارجي... وقفت بعد أن درأته...- لن تجد من يطعمك، ويجهز لك ما تطلبه... لن تعرف وضع ربطة العنق لوحدك!خرجت بهدوء يتبعها صوت صرير الباب القصير الصدئ...بالصباح... بعد أن قطع المسافة هرولة... توجه لمكتبه، كانت بدلته ناقصة... تخلص بعد عناء، من ربطة العنق المشنقة...

    وقف أمام فرسه، مثبتا عينيه بآخر نقطة، استطاع رصدها بتلك البيداء الخالية... استجمع قواه ليتلقى النبأ المفجع، برحابة صدر، وصبر محتسب... كان لتوه قد عاد من سفره الطويل... بعدما قضى جل أيامه في القنص والصيد، غافلا عن أحوال بيته وزوجه وذريته...كانت الشمس في تكاسل، ترسل أشعة قرمزية، توقظ الطيور من وكناتها... تصدح بفجر جديد قد غشا حلكة الليل، لم تكن إشراقة النجم الكبير قد أغبطته...امتطى سرج فرسه يلحق مناه حيثما خبّر، تمنى لو لم ينتهي الليل، ولو لم يقبل النهار...تسابق مع الزمن يطوي مسافات قاحلة، لا يخشع سمعه سوى لصوت الوحوش بها، وقف بعد حين يقلب الثرى بمقلتيه، وتقلبها مطيته بحدواتها...انتظر بزوغ الضحى لتنفجر السماء بالضياء... رغم أن الليلة كانت له قصيرة... ظل متصلبا لا تؤثر به ريح السموم وهيجان الصحراء الغاضبة...مكث غير قليل بشأنه، برز له ضباب متكدر يعلو الأفق، تكثف... صار غيمة تهز الرمل والحصى... وتتقدم نحوه تحت إيقاع الحوافر...خطى مهرولا نحو الجمع الغفير، يراقبهم بشغف، اقتربت منه الغيمة الصاخبة... وبرز له الفرسان في شجاعة، جثا على ركبته منصدما، في ما نزل له متقدمهم... ربت على كتفه مطمئنا... التفت نحو رفاقه على الخيول... انحازوا هم على الأطراف، توسم بتأمل نحو التابوت، بأقصى الوسط... عدل عمامته... استقام يرمل متعثرا، نحوه، يجر ذيل قميصه متكلفا، ارتمى عليه، افترق الجمع... تركوه، يتجرع غصة موت زوجه وحده..


    صدح صوت الصرصور بالمكان... أفصحت السماء عن النجوم المتلألئة... مال القمر؛ واتخذ لنفسه مساحة بكبد السماء؛ يراقب فيها ظلام الكون... ويرسل بريقه الخافت للعالم تحته... يصغي للصرير، ونحيب البشر، وصرخات تطلقها الطبيعة، تستنجد علها تغاث...بالنهر الرقراق، تمر الحيوانات، تسقي جوفها بماءه المنعش... وتتأمل لون القمر اللجيني به... تتعجب من كونه هناك...
    مر غزال ذهبي يلمع لونه بضوء القمر... سار بمحاذاة النهر، ألقى نظره على صفحته، لاح له القمر المتربع بين جمهور النجوم الضئيلة... تلألأت مقله السوداء بضوءه... انحنى لعظمته... ارتشف بعض الماء بمهل، متمعنا به، وبضوءه المنير، استقام، مال بقوائمه الأربعة، سكن لوهلة، يصغي لحركات، تتسرب من بين الأشجار... أوجس منها خيفة... تحرك بهدوء حول الأشجار... يستكشف المكان، بعد برهة، لاح له جسد ضخم بين تلك الشعب... لكنه لم يترجل إليه... بدا له الغزال كقطعة من تراب القمر الفضي... ظل واقفا خاضعا لجماله، يتعجب من مظهره... تراجع ذاك الجسد رويدا رويدا إلى الخلف... اختفى بين طيات الظلام... عادت الضفة هادئة... عاد الغزال بمحاذاة النهر... يراقب الأزهار جنبه... يتأمل جمالها تحت القمر...



    جميع الحقوق محفوظة ل الوطفاء
    تصميم : Abdo Hegazy